٥ طيور إنقرضت من البيئة المصرية..أحدهم عاد بعد قرن من الزمان

٥ طيور إنقرضت من البيئة المصرية..أحدهم عاد بعد قرن من الزمان

تخيّل أن تقف اليوم على ضفاف النيل، وتنظر إلى الماء الممتد أمامك، ثم تكتشف أن هذا المشهد نفسه كان يضم، قبل عقود أو قرون، طيورًا لا تراها اليوم. طيور كانت تعيش هنا، وتتكاثر هنا، وتهاجر عبر وادي النيل، بل إن بعضها كان يحتل مكانة خاصة في الحضارة المصرية القديمة.. ثم اختفت.
بعضها اختفى منذ أكثر من قرن. وبعضها يحمل اسم مصر رغم أنه لم يعد يعيش فيها. وأحدها ارتبط اسمه بمعبودات المصريين القدماء، بينما عُرِف عن الرابع أنه صديق التمساح أما الأكثر إثارة فهو أن أحدهم عاد إلى مصر بعد أكثر من 120 عامًا من الغياب

هذه حكاية خمسة طيور كانت يومًا جزءًا من الحياة البرية المصرية، وأصبحت اليوم ضمن قائمة الأنواع التي تُعد منقرضة من البلاد

طيور

النعام….العملاق المنقرض

قبل أن تصبح الصحراء المصرية بهذا الجفاف الذي نعرفه اليوم، كانت مساحات واسعة منها أكثر ملاءمة للحياة البرية وكان النعام أحد أبرز سكانها

هذا الطائر العملاق، الذي لا يستطيع الطيران لكنه يستطيع الجري بسرعة مذهلة، كان منتشرًا في مصر منذ عصور ما قبل التاريخ. وتكشف لنا بقايا العظام وقشور البيض والرسوم القديمة أن النعام كان جزءًا مهمًا من البيئة المصرية القديمة. كما تتبع الباحثون تغير توزيعه في مصر عبر قرون اعتمادًا على الآثار والحفريات وروايات الرحالة

ولم يكن المصري القديم ينظر إلى النعام باعتباره مجرد حيوان صحراوي
ريشة النعام كانت رمزًا لماعت الحقيقة والعدل والنظام والتوازن

ولهذا ظهرت الريشة في الفن المصري القديم، وأصبحت واحدة من أشهر الرموز المرتبطة بالعدالة في مصر القديمة
لكن الرمز بقي… بينما اختفى صاحبه

تراجع النعام تدريجيًا مع ازدياد الجفاف وتغير البيئة، وكان الصيد البشري المكثف عاملًا رئيسيًا آخر في انحساره. وتُظهر الدراسات التاريخية أن النعام كان واسع الانتشار في مصر، لكنه انحسر تدريجيًا إلى الجنوب الشرقي قبل أن يختفي نهائيًا من البلاد. والمثير أن هناك سجلات لظهوره في جنوب شرق مصر حتى النصف الثاني من القرن العشرين، قبل أن يختفي مرة أخرى

واليوم؟

يمكنك أن ترى النعام في مزارع مصرية، لكن النعام البري لم يعد جزءًا من الحياة البرية المصرية، وهو مدرج ضمن الأنواع التي تعتبرها لجنة تسجيل الطيور المصرية منقرضة من البلاد

ربما تكون أكثر مفارقة حزينة في القصة كلها هى أن الطائر الذي منح المصريين رمز العدالة لم يحصل على فرصة عادلة للبقاء

bird symbols

أبو منجل المقدس… الطائر الذي أصبح رب الحكمة.. ثم اختفى

ربما لا يوجد طائر آخر في هذه القائمة يحمل قصة مصرية أكثر من هذا الطائر: أبو منجل المقدس لم يكن مجرد أحد طيور الأراضي الرطبة, بل كان رمزًا دينيًا
ارتبط أبو منجل بالإله تحوت أو جحوتي، إله الحكمة والكتابة والمعرفة، ولذلك ظهرت صورته في الفن المصري القديم وهو يحمل قلمًا ويكتب، كما دُفنت أعداد هائلة من مومياواته في المقابر المقدسة
وقد كشفت الدراسات أن مواقع مثل سقارة وتونة الجبل تحتوي على أعداد هائلة من مومياوات أبو منجل المقدس؛ وتشير إحدى الدراسات إلى نحو 1.75 مليون طائر في جبانة الحيوانات المقدسة بسقارة وحدها، ونحو أربعة ملايين في تونة الجبل
أرقام مذهلة..فقد كان هناك نظام كامل لتربية الطيور وتجهيزها واستخدامها كقرابين دينية, مما جعل أبو منجل المقدس جزءًا من الحياة اليومية والدينية للمصريين القدماء إلى درجة يصعب علينا تخيلها اليوم
ثم اختفى…..
تشير الدراسات إلى أن النوع كان لا يزال واسع الانتشار في مصر حتى القرن الثامن عشر، ثم تراجع بشدة، واختفى من البلاد بحلول منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا. وتختلف المصادر في تحديد آخر مشاهدة موثوقة؛ فبعض المراجع تشير إلى 1864، بينما تشير مصادر أخرى إلى عينة جُمعت قرب دمياط عام 1877.
لكن النتيجة النهائية لا خلاف عليها هى أن أبو منجل المقدس انقرض من مصر الحديثة
الطائر الذي كان يحظى بحماية دينية هائلة في مصر القديمة لم يعد موجودًا في البلد الذي أصبح اسمه مرتبطًا بحضارته إلى الأبد والأكثر غرابة أن النوع نفسه يعيش اليوم في أجزاء واسعة من أفريقيا جنوب الصحراء، بل أصبح في بعض البلدان خارج نطاقه الأصلي نوعًا غازيًا نتيجة إدخال أعداد منه إلى الأسر والحدائق

طائر الثعبان المنقرض من مصر

الأنهينجا…الطائر الذي يبدو كأنه ثعبان

هناك طيور غريبة وهناك طيور تجعلك تتساءل: هل ما أراه طائر فعلًا؟
الأنهينجا أو طائر الثعبان واحد منها
عندما يسبح، يظهر جزء صغير من جسمه فوق سطح الماء، بينما تمتد رقبته الطويلة المتعرجة إلى الأمام
من هنا جاء أحد أشهر أسمائه: طائر الثعبان
وإذا شاهدته بعد الغوص وهو يقف فوق غصن ناشرًا جناحيه، ستفهم فورًا لماذا يبدو مختلفًا عن معظم الطيور المائية
الأنهينجا غواص محترف وريشه أقل مقاومة للماء من ريش كثير من الطيور المائية، ولذلك يستطيع الغوص بكفاءة ومطاردة الأسماك تحت السطح. لكنه يدفع ثمن هذه القدرة: بعد الخروج من الماء يحتاج إلى نشر جناحيه حتى يجف
هذا المشهد كان جزءًا من الحياة المائية المصرية في الماضي

وتُظهر الأدلة الأثرية أن الأنهينجا كان موجودًا في مصر القديمة؛ فقد عُثر على بقاياه في مواقع مصرية قديمة، بينما تعتبره المصادر الحديثة من الأنواع التي اختفت من مصر

لكن قصة اختفائه أكثر تعقيدًا من أن نضع لها سببًا واحدًا, فهذا طائر يعتمد على المسطحات المائية الهادئة والغنية بالأسماك والنباتات. ومع تغير النظم المائية في وادي النيل، وتراجع أو تغير بعض الموائل المناسبة، أصبحت الظروف أقل ملاءمة لبقائه
ولا ينبغي أن ننسب اختفاءه ببساطة إلى سبب واحد من دون دليل تاريخي مباشر

المهم أن مصيره لم يختلف عن سابقيه من النعام وأبي منجل: الإنقراض

الطائر لا يزال موجودًا على نطاق واسع في أفريقيا جنوب الصحراء وهو ما يعني أن المشكلة لم تكن أن الأنهينجا لم يعد موجودًا, بل أن مصر لم تعد موطنًا مناسبًا له كما كانت من قبل

طيور

القطقاط المصري…الطائر الذي يحمل اسم مصر ولا يعيش فيها

من أغرب المفارقات هى أن تجد طائرًا يحمل اسم مصر لكنه لم يعد يعيش في البيئة المصرية
إنه القطقاط المصري
القطقاط المصري طائر إفريقي مميز للغاية، بألوانه السوداء والبيضاء والبرتقالية، ويعيش غالبًا بالقرب من الأنهار والمسطحات المائية الرملية
موطنه الحالي يمتد عبر أجزاء واسعة من أفريقيا جنوب الصحراء، من غرب القارة حتى شرقها. أما مصر فلم تعد ضمن موطنه المعتاد. وتضعه لجنة تسجيل الطيور المصرية ضمن الأنواع التي اختفت من البلاد، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن وجوده في مصر اليوم -إن حدث- سيكون عرضيًا ونادرًا للغاية
لكن لماذا يحمل اسم  مصر
لأن العلاقة مع مصر تعود إلى تاريخ وصفه علميًا
عندما وصفه كارل لينيوس عام 1758، استخدم الاسم الذي يعني «المصري»، مستندًا إلى وصف سابق ارتبط بمصر وأصبح الاسم العلمي جزءًا من هوية الطائر إلى الأبد

أما قصة «صديق التمساح» الشهيرة، التي تقول إن القطقاط يدخل فم التمساح لينظف أسنانه، فهي قصة قديمة ارتبطت بما رواه هيرودوت عن طائر قيل إنه ينظف فم التمساح. لكن الربط المباشر بين ذلك الطائر والقطقاط المصري محل نقاش علمي، لذلك من الأفضل التعامل معها كجزء من التراث والحكايات القديمة، لا كحقيقة مثبتة عن سلوك الطائر
وهذا يجعل القصة أجمل، لأنها تذكرنا بأن أسماء الطيور أحيانًا تحفظ ذاكرة جغرافية أقدم من خرائطنا الحديثة

reed cormorant spotted during birding trip with Aswan Birdwatching

الغاق الإفريقي: الابن البار الذي عاد إلى الديار

هنا قصة مختلفة..قصة تجعلنا نعيد النظر في كلمة انقرض
الغاق الإفريقي أو الغاق طويل الذيل  هو طائر مائي صغير نسبيًا، أسود اللون، يتميز بعينين حمراوين لافتتين وقد كان هذا الطائر يتكاثر في مصر قديمًا. ثم اختفى
كان آخر سجل معروف له في مصر يعود إلى عام 1903(كطائر متكاثر في بحيرة قارون بالفيوم) وبعد ذلك مر أكثر من قرن دون سجل مؤكد، حتى أصبح يُعامل باعتباره من الأنواع المنقرضة من البلاد

ثم حدث شيء لم يكن أحد يتوقعه في 26 مارس 2024

على ضفاف بحيرة ناصر، في أقصى جنوب مصر، قرب الحدود السودانية، التقط مراقب الطيورالبريطاني توماس تشينيك صورًا لسرب يضم ما لا يقل عن 20 طائرًا من الغاق الإفريقي وبعدها بعدة أشهر وتحديدًا في في ٢١ ديسمبر ٢٠٢٤ استطاع مراقب الطيور ومصور الحياة البرية إسماعيل خليفة رصد طائر وحيد من الغاق وتم توثيقه بالصور في مدينة أبو سمبل ليصبح بذلك أول مراقب طيور مصري يسجل ويوثق وجود الطائر على الأراضي المصرية منذ عقود
عاد الطائر إلى مصرولكنها تكن مجرد عودة لفرد تائه, فرصد سرب كامل أعطى سببًا للاعتقاد بأن الطائر ربما أصبح أكثر انتظامًا في المنطقة مما كان يُعتقد سابقًا

لكن المفاجأة الأكبر كانت لا تزال في الطريق

في أغسطس 2025 وعلى بحيرة ناصر، تمكن فريق من مراقبي الطيور المصريين بقيادة إسماعيل خليفة من توثيق تكاثر الغاق الإفريقي في مصر
الفريق الذي ضم أيضاً أحمد داوود ونهى محيي ومحمود الشامي أثبت برصد وتوثيق تعشيش الغاق الإفريقي أن عودة الابن البار لم تقتصرعلى مجرد ظهور عابر، بل إقامة دائمة لطائر وجد في جنوب البلاد ظروفًا تسمح له بالبقاء والتكاثر

ماذا يعني ذلك؟

يعني أن بعض الأنواع التي اختفت من مصر قد لا تكون أغلقت باب العودة نهائيًا, ربما تنتظر فقط أن تصبح الظروف مناسبة
وربما كان جنوب مصر – وخاصة بحيرة ناصر التي يسرى عليها قرار جرئ من وزارة البيئة المصرية بحظر صيد الطيور- يحتفظ بقدرة أكبر مما نتصور على استقبال الأنواع الإفريقية القادمة من الجنوب

فهل تشهد بحيرة ناصر عودة بقية “المنقرضين” تدريجيًا إلى البيئة المصرية؟ دعونا نتحلى بالتفاؤل والأمل

Aswan