مراقبة الطيور: الهواية التي غيّرت نظرة الإنسان للطبيعة

مراقبة الطيور: الهواية التي غيّرت نظرة الإنسان للطبيعة

في صباح هادئ على ضفاف النيل، وبينما لا يزال الضوء الذهبي يتسلل بين أشجار الأكاسيا، يقف رجل ممسكاً بمنظاره، ينتظر بصبر طائراً صغيراً قد لا يراه أحد غيره. لا يُريد هذا الرجل شيئاً سوى أن يرى — أن يُراقب، أن يسجّل، أن يفهم. هذا هو مراقب الطيور. وهذه هي واحدة من أجمل الهوايات التي عرفها الإنسان – مراقبة الطيور

مراقبة الطيور

ما هي مراقبة الطيور؟

مراقبة الطيور أو Birdwatching ويُطلق عليها أيضاً Birding هي هواية تقوم على مراقبة الطيور في بيئتها الطبيعية، والتعرف على أنواعها، ورصد سلوكياتها، وتوثيق مشاهداتها. وهي ممارسة لا تحتاج إلى معدات معقدة أو تدريب طويل للبدء فيها — كل ما تحتاجه في البداية هو منظار جيد، وعين منتبهة، وقلب مفتوح للطبيعة

غير أن الهواية في جوهرها أعمق من ذلك بكثير. إنها طريقة لقراءة الطبيعة، وفهم التوازن البيئي، والانتماء إلى عالم أكبر من عالمنا البشري المُزدحم

هواية بأرقام مذهلة

قد يُفاجئك أن تعلم أن مراقبة الطيور ليست هواية لأقلية صغيرة من المهتمين. بالأرقام، هي واحدة من أكبر الهوايات الشعبية في العالم.

في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، يصل عدد مراقبي الطيور إلى قرابة 96 مليون شخص — أي ما يُعادل 37% من المواطنين الأمريكيين فوق سن الستة عشر — وفقاً للدراسة الديموغرافية الكبرى التي أجرتها هيئة الأسماك والحياة البرية الأمريكية (USFWS) عام 2022

لكن الرقم الأكثر إذهالاً هو ما تُنفقه هذه الهواية اقتصادياً: أنفق مراقبو الطيور في أمريكا عام 2022 ما يُقدّر بـ 107.6 مليار دولار على رحلاتهم ومعداتهم — وهو رقم يُعادل ستة أضعاف إجمالي إيرادات دوري كرة القدم الأمريكية (NFL) في العام ذاته

بل إن الصناعة الكاملة المرتبطة بمراقبة الطيور تُولّد 279 مليار دولار سنوياً كناتج اقتصادي، وتُشغّل ما يزيد على 1.4 مليون وظيفة

هذه ليست مجرد هواية. هذا اقتصاد قائم بذاته

OSME

لماذا يُحبّ الناس مراقبة الطيور؟

أولاً: على الصعيد الشخصي — ما الذي تمنحك إياه؟

١. السلام الداخلي وتخفيف ضغوط الحياة

في عالم لا يهدأ، مراقبة الطيور هي دعوة للتوقف. تُشير الأبحاث الواردة في تقرير USFWS 2022 إلى أن قضاء الوقت بين الطيور يُقلّل بشكل ملحوظ من مستويات التوتر والقلق، ويُفيد الأشخاص الذين يعانون من مشكلات الصحة النفسية كالاكتئاب. فضلاً عن ذلك، فإن الوجود في الطبيعة وممارسة المشي الخفيف يُحسّن الشعور بالراحة الداخلية والسلام

٢. الصبر والتأمل — مهارتان نادرتان في عصرنا

لا يمكنك إجبار طائراً على الظهور. مراقبة الطيور تُعلّمك الانتظار الهادئ، وتُعيد اكتشاف لذة التأمل في التفاصيل الصغيرة — ريشة تلمع في الشمس، أو صوت يأتي من بين القصب قبل أن يظهر صاحبه

٣. الإلهام والإبداع

كثير من الفنانين والكتّاب والمصورين وجدوا في الطيور مصدراً لا ينضب من الإلهام. جمال الألوان، وبراعة الطيران، وعجائب الهجرة — كلها مواد خام للخيال البشري

٤. النشاط البدني والمغامرة

مراقبة الطيور تأخذك إلى أماكن لا تصلها السياحة التقليدية — جزر نيلية معزولة، وشواطئ بحيرة ناصر الصامتة، وواحات صحراوية بعيدة. إنها رياضة مقنّعة بمتعة الاكتشاف

٥. التعلم المستمر

كل طائر تراه هو سؤال جديد: ما اسمه؟ أين يعيش؟ ماذا يأكل؟ كيف يهاجر؟ الهواية تفتح أمامك عالماً من الأحياء والبيئة والجغرافيا والتاريخ لا نهاية له

ثانياً: على الصعيد الجماعي — دور مراقبي الطيور في خدمة العلم

هنا تصبح الهواية شيئاً أكبر من متعة شخصية

ebird

Citizen Science – مراقبة الطيور وعلوم المواطنين

بتسجيل الأوقات الدقيقة والمواقع وأعداد الطيور وأنواعها، يُصبح مراقبو الطيور عيوناً وآذاناً للباحثين، يمتدّون إلى ما لا يستطيع العدد المحدود من العلماء الوصول إليه

هذا ما يُعرف عالمياً بـ “علوم المواطنين” — وهو نموذج علمي ثوري يقوم على توظيف الملاحظات اليومية لملايين الهواة في إنتاج معرفة علمية حقيقية

منصة إي-بيرد — أضخم قاعدة بيانات طيور في التاريخ eBird

أطلقت جامعة كورنيل عام 2002 منصة إي-بيرد بالتعاون مع جمعية أودوبون — وهي منصة تجمع مشاهدات مراقبي الطيور من جميع أنحاء العالم. وقد وصلت قاعدة بياناتها إلى أكثر من مليار مشاهدة تشمل كل دول الأرض

وبحلول مايو 2023، ارتفع عدد قوائم التحقق الشهرية المُرسلة إلى إي-بيرد إلى 1.3 مليون قائمة — بعد أن كانت 600,000 قائمة فحسب في مارس 2020

ماذا يفعل العلماء بهذه البيانات؟

:يستخدم العلماء هذه المشاهدات الهائلة لـ

رصد هجرات الطيور ومتابعة تغيّر مساراتها
 تتبع انخفاض أعداد الأنواع المهددة بالانقراض
 دراسة تأثير التغير المناخي على مواعيد الهجرة ومناطق التوزيع
 تحديد المناطق البيئية الحيوية التي تحتاج إلى حماية عاجلة
رسم خرائط دقيقة لـ التنوع الأحيائي على مستوى الكوكب

كل مرة تُسجّل فيها مشاهدتك على مواقع علوم المواطنين ، فأنت تُضيف حلقة إلى أضخم شبكة مراقبة بيئية في التاريخ

birdwatching has many benefits

كيف تبدأ في مراقبة الطيور؟

لا تحتاج إلى ميزانية كبيرة أو خبرة مسبقة. هذه هي خطواتك الأولى:

١. المنظار — أداتك الأساسية
استثمر في منظار جيد بتكبير 8×42 أو 10×42. هذا هو المعيار العالمي لمراقبي الطيور المبتدئين والمحترفين على حد سواء

٢. دليل ميداني
احصل على كتاب تعريفي بطيور منطقتك. في مصر، يُعدّ كتاب طيور مصر لدكتور شريف بهاء الدين وبيرتل براون مرجعاً لا غنى عنه كبداية

٣. تطبيقات الهاتف
 eBird — لتسجيل مشاهداتك والاطلاع على ما شاهده الآخرون
 Merlin Bird ID — لمساعدتك في التعرف على الأنواع بالصورة أو الصوت
 iNaturalist — لتوثيق الحياة البرية بشكل عام

٤. انضم إلى مجتمع
مراقبة الطيور أجمل بصُحبة — سواء محلياً من خلال نوادي الطيور، أو رقمياً من خلال المجموعات والمنتديات المتخصصة

٥. ابدأ من حيث أنت
لا تنتظر رحلة بعيدة لتبدأ. الطيور في حديقتك، وعلى سطح منزلك، وعلى ضفاف النيل أمامك مباشرة — هي أفضل معلم لمبتدئ

Aswan

مراقبة الطيور في أسوان — خير مثال على الهواية بأبعادها الكاملة

أسوان مكان استثنائي لهذه الهواية. فهي تجمع بين ثلاثة أنظمة بيئية كاملة في مساحة واحدة: النيل بجزره وأحراشه، وبحيرة ناصر بسواحلها وجزرها الصخرية، والصحراء النوبية بكثبانها وأوديتها.

هذا التنوع يعني أن مراقب الطيور في أسوان يستطيع أن يرى في يوم واحد أنواعاً تنتمي إلى ثلاث مناطق حيوية مختلفة: طيور نيلية أفريقية كطائر الشمس النيلي، وطيور مهاجرة قادمة من أوروبا وآسيا، وطيور صحراوية متكيفة مع أقسى بيئة على وجه الأرض.

ومن هذا المكان بالذات، كانت انطلاقتي في هذه الهواية التي أصبحت مهنة، ثم رسالة

هذا المقال هو حلقة من سلسلة “مع الطيور” وهى سلسلة توعوية من إعداد مراقب الطيور ومصور الحياة البرية إسماعيل خليفة، تهدف إلى زيادة الوعي بالطيور البرية وأهميتها في حفظ التوازن البيئي وفوائدها المتعددة للإنسان