الطائر الحي خيرٌ من الميت: من أسوان إلى الإسكندرية في حب الطيور

الطائر الحي خيرٌ من الميت: من أسوان إلى الإسكندرية في حب الطيور

هناك لحظات في حياة أي شخص يعمل في مجال الطبيعة يشعر فيها أن الطريق الذي بدأه منذ سنوات أخذ فجأة معنى أكبر مما كان يتخيل

بالنسبة لي، إحدى هذه اللحظات كانت في الإسكندرية، في سبتمبر 2026

فمنذ أن بدأت  مبادرة (أسوان بيردواتشينج) كحلم بسيط يهدف إلى تعريف الزوار بجمال طيور أسوان وطبيعتها، كان هدفي أن أجعل الناس يرون الطيور بطريقة مختلفة؛ لا باعتبارها مجرد أسماء في قائمة أو صوراً جميلة في عدسة الكاميرا، وإنما كجزء حي من النظم البيئية، وكائنات تستحق أن تُفهم وتُقدّر وتُحمى

لكن مع مرور الوقت، أدركت أن حماية الطيور لا يمكن أن تنفصل عن العمل على الأرض، ولا عن فهم المجتمعات التي تعيش بالقرب من مواطنها

وهكذا قادني هذا الطريق من ضفاف النيل في أسوان إلى الإسكندرية، للمشاركة في خطوة وطنية جديدة تهدف إلى مواجهة الصيد الجائر وغير القانوني للطيور في مصر

الفريق الوطني لمكافحة الصيد الجائر

لحظة تأسيسية في الإسكندرية

في 17 سبتمبر 2026، شهدت مدينة الإسكندرية الاجتماع التأسيسي للفريق الوطني لمكافحة الصيد الجائر وغير القانوني للطيور في مصر، في إطار جهود تهدف إلى تحويل خارطة الطريق الوطنية لمكافحة الصيد غير المستدام إلى عمل منظم تشارك فيه أطراف متعددة. ويضم هذا المسار ممثلين عن جهات حكومية وأكاديمية ومجتمعية وبيئية، إلى جانب أطراف أخرى مرتبطة بالقضية
وكان لي شرف المشاركة كعضو مؤسس، ممثلاً لصوت السياحة البيئية والمجتمعات المحلية وتجربة العمل الميداني في أسوان
بالنسبة لي، لم تكن هذه المشاركة مجرد اجتماع آخر..كانت لحظة شعرت فيها أن سنوات العمل مع الطيور في أسوان بدأت تتصل بقضية أكبر بكثير من حدود المحافظة: قضية تمتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن سواحل البحر المتوسط إلى بحيرة ناصر

مكافحة الصيد الجائر

الميلاد في الدقي

لم يولد الفريق الوطني في فراغ، ففي مايو 2026، شاركت في ورشة العمل الوطنية حول تعزيز حوكمة صيد الطيور في مصر، والتي ناقشت الدروس المستفادة والتحديات وآفاق العمل المشترك، بمشاركة واسعة من خبراء ومسؤولين ومؤسسات ومختصين في البيئة والتنمية المحلية والإعلام وانتهت الورشة التي انعقدت في فندق سفير بالدقي إلى خارطة طريق وطنية لمواجهة الصيد الجائر للفترة 2026–2030

لكن ما بقي في ذاكرتي من تلك الورشة لم يكن فقط ما قيل عن القوانين أو آليات الرقابة، كان الأهم بالنسبة لي هو أنني رأيت أطرافًا مختلفة جداً تلتقي حول قضية واحدة, من المؤسسات الحكومية والعلماء والجامعات، إلى المؤسسات الدينية والمجتمع المدني والإعلام والعاملين في السياحة البيئية

وفي هذا السياق، جاءت كلمات الدكتورة نهلة الصعيدي، مستشارة شيخ الأزهر لشؤون الوافدين، حول أن حماية البيئة مسؤولية مشتركة، وأن الحفاظ على الموارد الطبيعية يتطلب وعياً وتكاملاً بين المؤسسات

كما كانت رسالة السيد مارتن هاربر، المدير التنفيذي لمنظمة بيردلايف إنترناشونال، لافتة بالنسبة لي، فقد أشاد بقرار وزارة البيئة المصرية حظر صيد الطيور في بحيرة ناصر وبدا متفائلًا جدًا حتى أنه وصف الورشة بأنها ربما تكون أهم ورشة عمل تُعقد في مصر خلال العشرين عاماً الأخيرة فيما يتعلق بحماية الطيور

كان لكلمة السيد هاربر وقع خاص، وشعرت بفخر لا يوصف. لأن بحيرة ناصر، التي أعمل وأُرشد فيها منذ سنوات، لم تعد مجرد قصة نجاح محلية نرويها في أسوان, بل أصبحت مثالاً يُستشهد به على المستوى الدولي في أهم منتدى لحماية الطيور في مصر منذ عقدين من الزمان

Stop Illegal and Unsustainable Bird Hunting

من قاعة الاجتماعات إلى شواطئ البرلس

بعد الاجتماع التأسيسي في الإسكندرية بيوم واحد، وتحديداً في 18 سبتمبر، انتقلنا في زيارة ميدانية إلى منطقة البرلس بمحافظة كفر الشيخ وقد كانت هذه الزيارة من أصعب وأهم اللحظات في الرحلة

رأينا بأعيننا مواقع وممارسات الصيد. تحدثنا مع الصيادين أنفسهم عن الظروف والدوافع الحقيقية التي تدفعهم لهذا العمل. شاهدنا طيوراً محتجزة، وشاركنا في محاولات إنقاذ وإطلاق بعضها. وزُرنا أحد تجار الطيور لنفهم جانباً من سلسلة تداولها

هذه الزيارة علّمتني شيئاً كنت أعرفه نظرياً لكنني اختبرته ميدانياً بشكل مباشر: قضية الصيد الجائر ليست قضية بيئية بحتة. هي قضية اقتصادية واجتماعية متشابكة، مرتبطة بسلسلة تداول كاملة، وأنماط طلب، وسلوك مستهلكين، وحتى بدور متزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في انتشار محتوى الصيد. لا يمكن مواجهتها بقرار قانوني وحده، بل تحتاج إلى فهم عميق للواقع المحلي واحتياجات المجتمعات نفسها

National Task Force to Combat Illegal and Unsustainable Bird Hunting

فريق وطني بخارطة طريق واضحة

أحد الأمور التي أراها مهمة في هذه الخطوة هو أن الفريق لم يُطرح باعتباره مجرد مبادرة رمزية، وإنما جاء ضمن إطار عمل له خارطة طريق وطنية تمتد من 2026 إلى 2030، مع توزيع العمل على خمسة محاور متخصصة تشمل

 مراجعة التشريعات والسياسات وآليات التنفيذ والامتثال، بتنسيق د. مها عبد الناصر
 البحث العلمي والرصد، بتنسيق د. بسمة شتا
 البدائل الاقتصادية والسياحة البيئية، بتنسيق د. إكرامي الأباصيري
 التمويل والتمكين المؤسسي وبناء القدرات، بتنسيق أ. سيد محمد السيد
 التوعية والإعلام والقيم الأخلاقية والثقافية، بتنسيق د. محمود بكر
كما تم انتخاب المهندس وحيد سلامة رئيساً تنفيذياً للفريق الوطني

وهذا التنوع في التخصصات مهم جداً؛ لأن قضية الصيد غير القانوني لا يمكن أن يتعامل معها تخصص واحد بمفرده

ولعل لجنة البدائل الاقتصادية والسياحة البيئية هي الأقرب إلى قلبي وإلى عمل مبادرة “أسوان بيردواتشينج” لمشاهدة الطيور في أسوان. لأن هذا بالضبط ما تقوم عليه مبادرتنا منذ يومها الأول: إثبات أن الطائر الحي، الذي يُشاهَد ويُصوَّر ويُقدَّر، يمكن أن يكون مصدر دخل أكثر استدامة وكرامة من الطائر المصطاد. وأن التحوّل من الصيد إلى السياحة البيئية ليس حلماً نظرياً بعيد المنال، بل واقع معاش نراه يتحقق في أكثر من مكان حول العالم

Stop Illegal and Unsustainable Bird Hunting

لماذا نحن مهتمون بهذه القضية إلى هذا الحد؟

قد يتساءل البعض: ما علاقة اجتماع في الإسكندرية وزيارة ميدانية في البرلس بمبادرة تعمل في أسوان، على بُعد أكثر من ألف كيلومتر؟
الإجابة بسيطة: حماية الطيور المهاجرة قضية وطنية موحّدة، لا يمكن تجزئتها جغرافياً. الطائر الذي يُصطاد في البرلس أو مطروح هو نفسه الطائر الذي كنا سنستقبله محلقاً فوق النيل في أسوان أو مستريحاً على ضفاف بحيرة ناصر بعد رحلة هجرة طويلة. والنجاح الذي حققناه محلياً في حظر الصيد ببحيرة ناصر لن يكتمل أثره إلا إذا تكرر في كل نقطة على خريطة مصر التي تمر بها هذه الطيور

مشاركتي في هذا الفريق الوطني المخلص ليست انفصالاً عن رسالة أسوان بيردواتشينج, بل هو امتداد طبيعي لها. أنا لا أُمثّل نفسي فقط في تلك الاجتماعات، بل أحمل معي كل قصة نجاح رأيتها في أسوان، وكل زائر أُنبهر بجمال طيورنا، وكل فرد من المجتمع المحلي تحوّل بدوره إلى مرشد بيئي يشارك بشكل أو بآخر في حماية الطيور من جهة وتوفير قيمة مضافة للسياحة بمدينة أسوان من جهة أخرى

illegal bird killing

التحدي كبير والطريق طويل

نحن الآن في بداية طريق طويل، بخارطة طريق تمتد حتى عام 2030.

طريق لن يخلو من تحديات حقيقية؛ تشريعات تحتاج إلى مراجعة وتطوير، ووعي مجتمعي يحتاج إلى بناء وتعزيز، وبدائل اقتصادية تحتاج إلى تطوير ودعم حقيقي، بما يضمن حماية الطيور والحفاظ على مواردنا الطبيعية دون الإضرار بمصالح المجتمعات المحلية وسبل عيشها

لكنني أخرج من هذه التجربة بيقين أعمق: أن الحل موجود، وأنه يبدأ من التقاء العلم بالإيمان، والقانون بالمجتمع، والسياحة البيئية بحياة الإنسان الكريمة

ما نحتاج إليه هو قبول المجتمع للقيم التي ننادي بها، لأنها في المقام الأول تخدم أبناءه وتحمي موارده؛ وأن تضطلع الجهات الحكومية المختصة بمسؤولياتها الوطنية، كلٌّ فيما يخصه؛ وأن تنضم المزيد من الكفاءات والخبرات الوطنية إلى هذا الفريق الواعد؛ وأن يعمل أبناء مصر، يدًا بيد، من أجل مواجهة تلك المعضلة وبناء حلول مستدامة لها

وبإذن الله، سأظل من أسوان أقدّم كل ما أستطيع لدعم هذه الرحلة الوطنية، إيمانًا بأن حماية الطبيعة ليست ترفًا، وأن كل طائر ننقذه اليوم هو وعد بغدٍ أجمل لنا وللأجيال التي ستأتي من بعدنا

تحياتي
إسماعيل خليفة – مراقب طيور ومؤسس “أسوان بيردواتشينج” لتنشيط السياحة البيئية في أسوان

National Task Force to Combat Illegal and Unsustainable Bird Hunting